حمدى رزق يكتب: أبويا مكرم مات ..

المصدر | المصري اليوم

أخذتنى سِنَةٌ من النوم، غفوتُ فجرًا، لأسْتَيْقَظ على رحيل «أبى الروحى الأستاذ مكرم»، تلون حائطى الفيسبوكى بالسواد، شيخى ومعلمى قد رحل، لقد فاضت دموع الحزن منى، غصب عنى، أبويا مات.

وخبر الأستاذ مكرم يرحمه الله أننا سننعيه بكل هذه السطور المكتوبة بمداد من دموع القلب، لكفاه أن يرحل هانئًا مطمئنًا، يستحق أكثر من سطور على هامش الرحيل، وهل تعز السطور على هذه القامة المعتبرة عند رحيلها؟ وما فائدة السطور إذا لم تسطر فى حب مَن علمنى الحروف كلها؟

«الأستاذ مكرم» لم يطلب من تلاميذه يومًا كتابة عن القيمة التى يمثلها فى الضمير الجمعى الصحفى، كان إذا كتب أحدهم سطرًا ذكر فيه من مناقبه، عاتبه على المديح، طالبًا الكف عن الأذى، يخشى المديح، ويواجه القبح، ويناهض الظلم.. ولا يستنيم للمحسنات البلاغية. ولا تفضل على تلاميذه يومًا بفضل، ولا رسم نفسه يومًا معلمًا، ولا اعتبرنا يومًا تلاميذه، بل ظل، وإلى الآن، يعامل الجميع، الصغير منهم قبل الكبير، باعتبارهم زملاء مهنة ودرب، وينافسهم صحفيًا على خبر مهم.

نذر نفسه وعمره للصحافة وأعطاها من روحه، الأستاذ يكتب بجوارحه، وحبر قلمه من محبرة قلبه، تحمل سطوره قبسًا من روحه، سطور تستبطن الحق الذى يعتقده، رافضة ما تأنفه نفسه، زاهدًا بالكلية عما تهفو إليه نفوس ضعيفة فى مكسب رخيص دونه الكبرياء الذى يتمتع به الكبير قوى.

جمل الحمول، استحمل كثيرًا وطويلًا، لا هان يومًا، ولا استكان، ولا طلب يومًا أن يكون، الأستاذ مكرم رحمة الله عليه كائن باسمه الذى صنعه بحفر الأظافر، لم يوسد له، بل كافح وناضل من أجل أن يبقى اسمه ثلاثيًا هكذا اسمه «مكرم محمد أحمد».

مثل ثمرة التين الشوكى، من لم يقترب من الأستاذ لم يلمس قلبه الطيب، قلبه أبيض لم يحمل حقدًا ولا غلًا.. يصفو فى ثانية، أجيال لم ترَ منه ضحكته المجلجلة ساعة صفا، ولم تشاطره أفراحه وأحزانه، كان كتومًا، لا يصرخ ولا يشكو وهو يتألم، ولا يضجر فى أقسى حالات الضيق، ولا يترخص أبدًا، وهذا سر معاناة الأبى الكريم، والكريم لا يُضام.

مثل الفرس العربى الأصيل منخاره الكبير شامخ، تكاد تسمع دقات قلبه فى تردد أنفاسه فى رئة واسعة، زفر كثيرًا من قساوة الأيام التى مرت بالكبير فى كبد.

بعدد شعر رأسه الأبيض خاض معارك صحفية ومهنية لو سجلها ما وسعها مجلد ذكريات، حتى فى هذه المكرمة المهنية هو ضنين بها، لم يكتب مذكراته أو ذكرياته بعد، وهى جديرة بالتسجيل لأجيال لم تعرف مسيرة الأستاذ، وما تيسر من سيرته.